القائمة الرئيسية

الصفحات

الجيش والقبائل في العهد الملكي في العراق

 

الجيش والقبائل في العهد الملكي في العراق

تناولت في هذه المنشورات العهد الملكي من خلال تسليط الأضواء على المؤسسة الملكية بإيضاح تعريفي، وهنا سألقي الضوء على شكل المؤسسة العسكرية (الجيش)، وشكل القبائل كمجتمع محلي خلال العهد الملكي وما له من تأثيرات على العملية السياسية آنذاك، وتدخلات الجيش في التوزير وشكل الحكم.

 

الجيش

لعب الفريق جعفر العسكري أول وزير للدفاع في حكومة عبد الرحمن النقيب سنة 1920 دوراً كبيراً في تأسيس الجيش العراقي واعتمد على الضباط العرب في الجيش العثماني وكان نواة الجيش عند تشكيله في 6/1/1921، عشرة ضباط ممن عملوا في الثورة العربية الكبرى، ومن ثم تم تشكل الفوج الأول في بغداد فوج موسى الكاظم ثم الفوج الثاني عام 1922، وبلغت قوة الجيش 4000 متطوع وسرعان ما تشكلت الصنوف المختلفة من مدفعية ومشاة وحرس حدود وقوة جوية عام 1931 مكونة من خمس طائرات وأسطول نهري.

وان هذا الجيش الفتي ما لبث أن انغمس في السياسة من خلال ضباط الكلية العسكرية وكلية الأركان واخذ يوجه الانتقادات إلى المعاهدة العراقية البريطانية 1931، كما ساهموا في النشاطات القومية على المستوى الشعبي فكان فهمي سعيد ابن السليمانية ضمن هيئة المؤسسة لنادي المثنى ذو التوجهات القومية واخذ صلاح الدين الصباغ يدرب الشباب في جمعية الجوال العربي كما دعموا ثوار فلسطين بالأعتدة والسلاح سراً.

وقد حاول بعض الضباط من ذوي التوجه العراقي فقط الذين رفعوا شعار (العراق للعراقيين)  التكتل بالضد من الحركة القومية ووجدوا ضالتهم في بكر صدقي الضابط الكردي الذي كان ضابطاً ناجحاً اثبت كفاءته في قمع تمرد الاثوريين 1933، وكان غير مرتاح من التوجه القومي للضباط العرب في الجيش وزادت مكانته في عهد ياسين الهاشمي بعد قيامه بالقضاء على التمردات العشائرية في الفرات الأوسط سيما الرميثة 1935 و 1936 فضلاً عن إخماده تمرد اليزييدن في سنجار 1935 احتجاجاً على التجنيد الإلزامي.

 

دفعة من ضباط الجيش العراقي في العهد الملكي

دور الجيش في تشكيل الوزارات من خلال أداة الانقلابات

المرة الأولى انقلاب 1936 يعتبر حكمت سليمان المحرك الأساسي للانقلاب وكان بكر صدقي الأداة المنفذة والذي كان على اتصال ببعض الضباط فضلاً عن حصوله على موافقة قائد الفرقة الأولى عبد اللطيف نوري الذي كان ساخطاً على الوزارة لرفضها السماح له بالعلاج خارج العراق على حساب الحكومة حيث اتفقا على الحركة مستغلين غياب رئيس الأركان طه الهاشمي خارج العراق لحضور مناورات الجيش البريطاني حيث زحفت الوحدات إلى بعقوبة ثم إلى بغداد وقد استجاب الملك غازي إلى تهديدات بكر صدقي التي أوصلها حكمت سليمان بقصف بغداد إذا لم تستقل الوزارة وهذا مما جعل السفير البريطاني يتهم غازي انه كان على علم بالانقلاب, وقد قتل وزير الدفاع جعفر العسكري أثناء محاولته إيقاف تقدم الجيش إلى بغداد حيث أرسل بكر صدقي ثلاثة ضباط قاموا بقتله ودفنه على الطريق.

وهكذا شكل حكمت سليمان الوزارة بدعم الانقلاب، أن بكر صدقي سجلت عليه في التسعة أشهر التي حكم فيها انه مارس الاغتيال السياسي ولم يكتف بقتل مؤسس الجيش جعفر العسكري وإنما اغتيال ضياء يونس سكرتير مجلس الوزراء وقيل السبب في ذلك أن ياسين الهاشمي كان قد ائتمنه على وثائق تتعلق بشبكة التجسس الصهيونية في العراق وطالب أصحاب العلاقة بعد الانقلاب بإرجاعها فلما أبى قتل كما اتهم بالسعي إلى إنشاء دولة كردية واستخدم خبيراً ألمانيا لهذا الغرض كما كان يتحكم بقسوة في أمور الدولة فأفسد نظامها واوجد حالة إرهابية أصبح بمقتضاها لا يطمئن من احد على نفسه وعلى حاله ومستقبله إلى أن قتل.

حكمت سليمان


المرة ثانية تدخل الجيش عندما شكل جميل المدفعي1937 الوزارة وعين صبيح نجيب المدني وزيراً للدفاع مما أدى إلى استياء الكتلة القومية وقاموا بإجباره على الاستقالة بعد أشهر من تأسيس حكومته وطلبوا من الملك إسناد الوزارة إلى نوري السعيد وبلغ تدخل الجيش في شؤون الدولة خلال هذه الفترة إلى درجة انه رفض أن يقام مصفى للنفط في البعيجي (بيجي) شمال سامراء وأصر على إنشاءه في العاصمة بغداد لاعتبارات سياسية رغم انه كان من النواحي الفنية إنشاءه في بيجي أفضل من الناحية الأمنية وتلويث الجو في بغداد.


إما المحاولة الثالثة فكانت ثورة 1941 وأيا كانت وجهات النظر المختلفة في تقييم الحركة فأنه يمكن القول إن الضباط والسادة القوميين اعتقدوا أن الفرصة سانحة للتخلص من السيطرة البريطانية وتحقيق الأماني القومية للعرب سيما بعد انهيار فرنسا وتحالف السوفييت مع ألمانيا فاعتقدوا أن بريطانيا ستهزم ودعوا إلى الوقوف على الحياد من البدائية.

في حين اعتقد ساسة آخرون مثل نوري السعيد وعبد الإله انه يجب دعم بريطانيا في وقوفها ضد ألمانيا وحلفائها في المحور وأنها ستلحق النصر في النهاية وانتصر الفريق الأول عام 1940 ورغم أن الاتصال بالألمان لم يكن ايجابياً إذ لم يعطوا وعوداً حقيقية بدعم موقف العراق إذا ما اندلع صراع مع بريطانيا إلا أن هذا الفريق سار في طريق معاداة بريطانيا وقد أثبتت الإحداث فيما بعد إن ثورة رشيد عالي وصحبه في المربع الذهبي العقداء الأربعة صلاح الدين الصباغ وفهمي سعيد وكامل شبيب ومحمود سلمان رغم الدعم الشعبي الكبير الذي حظيت به كانت تفتقر إلى الحكمة والدراسة الموضوعية فلم يكن العراق نداً لبريطانيا وقواتها العسكرية الضخمة كما أن الدعم الألماني كان متواضعاً. وقد انعكست الثورة وبالاً على الجيش العراقي فبعد إن كان عام 1941 مكوناً من 44217 ألف منهم 1745 ضابط انخفض عدده إلى النصف تقريباً كما ازداد عدد الفارين في صفوفه وعندما جاءت حرب فلسطين 1948 كان سيء الإعداد غير مسلح بشكل كافي مع نقص للإمدادات ومع ذلك كانت معنوياتهم مرتفعة وقاتلوا بشجاعة نادرة ويعود إليه الفضل بعد الله في بقاء الضفة الغربية بأيدي العرب إلى سنة 1967 وما معركة حنين إلا نموذجاً لبسالته رغم قلة عدده إمام الجيش الصهيوني الذي كان يصل عدده إلى 120 ألف ودرب  في ساحات الحرب العالمية الثانية.

رشيد عالي الكيلاني والتفاهمات مع هتلر


ثم  كان التدخل  الأخير عام 1958 والذي أنهى العهد الملكي عندما قتل الملك فيصل الثاني وولي عهده خاله الولي عبد الإله ومعضم أعضاء العائلة المالكة الراقية في قصر الرحاب عندما قامت الثورة بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم والعقيد عبد السلام عارف ومعهما ثلة من ضباط الجيش العراقي ورغم أن هناك معلومات تسربت عن الإعداد والانقلاب سيما من الملك حسين ملك الأردن والذي طلب من الملك والوصي إرسال من يثق به لاستلام الأسرار إلا أن رفيق عارف رئيس الأركان استهزئ بالمعلومات ولم يوصلها بأمانة كما إن الشاه محمد رضا أرسل مبعوثاً إلى الوصي عندما كان في استانبول فابلغه معلومات عن الانقلاب والذي استهزئ بها هو الأخر كما إن عدنان مندريس رئيس وزراء تركيا قدم معلومات لنوري إلا إن هذا الأخير لم يهتم بها ورفضها، وأخيرا إن بهجت العطية مدير الأمن العام قدم قبل ثلاثة أيام من الثورة معلومات لأحمد مختار بابان رئيس الوزراء والذي أرسلها إلى الوصي الذي ابلغ بها رفيق عارف إلا انه نفاها.

 

قائد الانقلاب عبدالكريم قاسم

القبائل

من القوى الرئيسية الضاغطة على النظام السياسي والتي أصبح لها تأثير كبير في العهد الملكي، ومن أهم مصادر القوة لدى شيوخ القبائل العربية والكردية بالدرجة الأولى كانت ملكية الأراضي فضلاً عن قوتهم العسكرية اعتماداً على مقاتلي القبيلة والمسلحين بالدرجة الأساس بالبنادق وان شهدنا قبائل تملك مدافع بصورة مبكرة مثل البو محمد الذين صنع لهم اثنين من حدادي بغداد (21) مدفع وان كانت كفاءتها متواضعة، وكذلك نجد إن قانون التجنيد الإجباري الذي شرع عام 1936 لاقى معارضة قوية من الشيوخ بسبب انه حرمهم من جهد هؤلاء المجندين لأغراض الفلاحة والرعي فضلاً عن كونهم مقاتلين عند الطلب.

كما إن مصادر القوة والنفوذ لدى الشيخ هي كونه الواسطة في التعامل مع الجهاز الإداري، ولذلك حاولوا ممارسة العمل السياسي عبر دخول الأحزاب السياسية والترشيح للانتخابات لضمان مصالحهم كما حاول الملك فيصل دعم القبائل المعارضة للإنكليز كي يحقق توازناً مع القبائل المؤيدة للإنكليز ولذلك حاول دعمهم على صعيد الامتيازات عبر المتصرفين الموالين له, إلا أن الانكليز عبر رجالهم كانوا يحاولون إفشال خططه في هذا المجال كما أن الملك فيصل نجح عام 1924 في حمل المجلس التأسيسي على المصادقة على نظام قانوني عشائري يتم من خلاله تسوية الخلافات القبلية عن طريق القبائل وهذا ما يفسر حالة السلم مع القبائل طيلة عهد فيصل، بينما نلاحظ أن القبائل استخدمت في عهد الملك غازي لأغراض سياسية نتيجة طموح الشيوخ وتحريض الأحزاب مستغلين ضعف الملك غازي, في حين أن فترة ما بعد غازي إلى قيام الثورة عادت القبائل إلى السلم وعدم تحدي الحكومة في بغداد.

بعد الاحتلال البريطاني ازدادت القوة الاقتصادية للشيوخ الذين وقفوا إلى جانبهم سواءً في بداية الاحتلال أو عند اندلاع ثورة العشرين وما بعدها, فقد حصلوا على الأراضي عبر تأجير الأراضي الأميرية الذي يستمر إلى ذريتهم وكذلك عبر حقوق الطابو واللزمة على صعيد حقوق الملكية عبر استعمال الأرض لعشر سنوات تارةً ولثلاث سنوات عند إنشاءه مشاريع روائية مثل نصب المكائن وحفر القنوات وهكذا بلغت مساحة الأراضي التي كان يستغلها الشيوخ عند قيام ثورة 1958 (32 مليون دونم) جاءت من الاستيلاء على الأراضي الأميرية وسلب ملكية الجيران الأضعف وتسجيل أراضي ديرة العشيرة التي كانت مشاعة باسم الشيوخ. كما ازدادت قوتهم العسكرية عبر اقتناء القبائل للأسلحة النارية سيما البنادق وكما قال الملك الفيصل فأنه كان لدى الحكومة (15 ألف بندقية) بينما كان لدى القبائل (100 ألف بندقية).

إن زعماء القبائل من الشيوخ والأغوات والبكوات والكوخات مابين 1918-1958 كان بعضهم يجمع إضافة إلى زعامته القبلية الزعامة الدينية سيما لدى الأكراد مثل البرزانيون والبرزنجيون والطالبانيون والنقشبنديون فضلاً عن السادة الشيوخ في الفرات الأوسط مثل آل الياسري ولا ننسى إن آل السعدون هم من أشراف مكة قدموا إلى العراق  في القرن السادس عشر وانشئوا إمارة المنتفك القوية إلى منتصف القرن التاسع عشر. ويلاحظ إن الانكليز استخدموا القوة لدعم الشيوخ الذين تمردت عليهم بعض العشائر التابعة لهم في القبيلة كما حدث عام 1918 مع عداي الجريان في البوسلطان ومع عجيل الياور في شمر. ومع ذلك فقد شهدنا أن بعض الشيوخ حاولوا الاستقالة أن صحت التسمية بسبب عدم قناعتهم السياسية أو للتخلص من الضغوطات التي كانت تمارس عليهم لاتخاذ سياسيات لا تتماشى مع قناعاتهم ومصالح قبائلهم. وبعضهم وجد الحل في الذهاب إلى الحج وعدم العودة والبقاء لفترة طويلة.

كما إن الشيوخ الكبار كانوا يتلقون دعماً مالياً من الانكليز على حفظهم للطرق وخدمات أخرى مثل ما كان يقدم لعجيل الياور في شمر وفهد الحنظل في عنزة. كما يلاحظ إن وجود الشيوخ في مجلس الوزراء كان محدوداً وكذلك في صفوف ضباط الجيش فلم يبرز في منصب قيادي سوى اللواء الركن مزهر الشاوي الذي وصل إلى منصب قائد فرقة والعميد الطيار كاظم العبادي قائد القوة الجوية. وعلى صعيد الأحزاب السياسية فقد انضم الشيوخ إلى الأحزاب المحافظة والمساندة للحكومة والانكليز بصورة عامة لحماية مصالحهم الاقتصادية والسياسية فقد انضموا إلى حزب التقدم وحزب الاتحاد الدستوري وغيره من الأحزاب، وكانوا يحتلون مناصب قيادية.

 

 

تعليقات

التنقل السريع