العهد الملكي في العراق 1933 – 1939
تناول في هذه المنشورات
العهد الملكي من خلال تسليط الأضواء على المؤسسة الملكية من خلال إيضاح تعريفي
بفترة عهد حكم الملوك الملك فيصل الأول، وابنه الملك غازي الأول، والحفيد الملكفيصل الثاني، وهنا سألقي الضوء على الملك غازي الأول وشكل الحكم خلال الفترة
القصيرة التي حكم فيها العراق والتي أدت بالنهاية إلى وفاته المأساوية.
الملك غازي الأول
ولد الملك غازي
في مكة 21/3/1912، وعاش تحت رعاية جده الحسين ووصل إلى العراق عام 1924 مع أمه
وأخواته وبعد صدور القرار الأساسي العراقي، أصبح غازي ولياً للعهد بعد طول تردد من
والده الذي كان يشك في إمكانياته لتولي الحكم رغم انه اهتم بتربيته تربية قومية
عربية وإعداده ولياً للعهد واختار له اساتذه كفوءين على رأسهم جعفر العسكري، وأرسله
عام 1926 إلى مدرسة هارو في بريطانيا وعاد إلى العراق عام 1928 ثم دخل الكلية
العسكرية وكان لدراسته فيها تأثير كبير في بناء شخصيته وإقامة علاقات اجتماعية مع
زملاءه كما تأثر بالأفكار القومية للاساتذه وزملاءه وتخرج عام 1932 برتبة ملازم
ثان خيال واخذ والده يصحبه معه إثناء زياراته لمناطق العراق المختلفة ويطلعه على أوضاع
العراق.
مناصبه
قبل تنصيبه ملكاً
تولى منصب نائب
الملك مرتين في غياب والده الأولى في 5/6/1933 -3/8/1933 والثانية من 1-8/9/1933،
وقد تصرف بموجب الصلاحيات الدستورية الممنوحة له في عدد من القضايا، وقد لمع اسم
غازي عند معالجته لقضية الاثورين واكتسب شعبية واسعة لدى العراقيين ووجدوا فيه
الشخص الذي يمكنه أن يتحدى الانكليز ويتجاهل رغباتهم إذ رغم أوامر والده لضبط
النفس والحذر عند استخدام القوة مع الأزمة، إلا انه تعاون مع بكر صدقي قائد الفرقة
الأولى لاستخدام القوة رغم ضغوط الانكليز الكبيرة وزار الموصل في 27/8/1933،
واستقبل استقبالاً جماهيرياً وكانت الجماهير تهتف (ليسقط البريطانيون ليسقط
المستعمرون) كما حصل على شعبية في صفوف الضباط الشباب.
تنصيب
غازي ملكاً على العراق
وعندما توفي
والده فيصل الأول، فجأة في 7/9/1933، أصابه الارتباك واتصل بالسفير البريطاني
وابلغه انه يحتاج إلى تعاونه وتعاون الشخصيات البارزة معه وقد قام السفير بالاتصال
بياسين الهاشمي الذي أعلن ولي العهد ملكاً في احتفال بسيط حيث اقسم فيه اليمين
القانوني.
كان هناك من هو
متفائل بغازي ومن هو متشائم وكان أكثر المتشائمين نوري السعيد وجعفر العسكري
اللذان كانا يعارضان اختياره ولياً للعهد، وللحقيقة فقد كان بعمر (21) سنة وتجربته
قليلة ومعرفته بأصول الحكم متواضعة رغم ماعرف عنه من حماسة ووطنية وقومية أما
الشعب فكان على النقيض تماماً حيث تفائل به الكثيرين وشهد عهده صراعاً بين الزعماء السياسيين بعد
غياب والده الذي كان يضبط العلاقة فيما بينهم ويدير خلافاتهم فحاولوا أن يسيطروا
عليه كل لمصلحته وساد عصره فترة من عدم الاستقرار السياسي واستخدمت العشائر والجيش
لمقاومه الخصوم وإسقاطهم كما أن سرعة تبدل الحكومات أثرت على ماكنة الدولة، كما
شهد عهده إقرار قانون التجنيد الإلزامي بوصفه عاملاً وطنياً موحداً رغم أن موقف
الانكليز كان فاتراً من القانون ورافضاً له.
وفاة
غازي الغامضة
وسرعان ما قتل
في حادثة أثيرت عليها كثير من الشكوك عندما اصطدمت سيارته بعمود كهرباء في القصر
الملكي فقد أصيب بكسر في الجمجمة رغم أن الإضرار بالسيارة طفيفة كما اختفى الخادم
والمشرف على اللاسلكي اللذان كانا في المقعد الخلفي . ورغم انزعاج الانكليز من
سياسات غازي سيما محاولته ضم الكويت ودعمه للقضية الفلسطينية ألا أنهم لم يدعموا
خطط نوري السعيد للتخلص منه رغم أن السفير البريطاني كان يقول أن (لنوري خططاً
مشؤومة مباشرة)، وتفسر على أن الانكليز قد لا يعارضون هذه الخطط . هناك من يوجه
التهم ليس لنوري فحسب بل لعبد الإله وشقيقته عالية الملكة التي هجرها غازي في أيامه
الأخيرة وادعت بعد الوفاة أن لديها وثيقة من غازي بأنه يريد أن يكون عبدالاله
وصياً فيما إذا حدث له حادث رغم أن غازي كان يكره عبدالاله كرها شديداً وهكذا أصبح
عبدالاله وصيا وعمره 25 سنه مع انعدام الخبرة السياسية فأصبح في السنوات الأولى
مطيعاً لنوري السعيد وزاد عدم اتزانه وعقده النفسية الناجمة عن فقدان والده مملكة
الحجاز ولم ينجح في كسب معظم رجال عمه فيصل في السياسة فضلاً عن الضباط القوميين
في الجيش وساهمت سياسته الدموية في معاقبه ضباط ثورة مايس 1941 عندما حكم عليهم بالإعدام
فضلاً عن استحواذه على الملك قبل وبعد التتويج في كسب كراهية كبيرة في صفوف الساسة
والشعب على السواء أدى إلى مقتله 1958 مع العائلة المالكة رغم انه تلقى نصائح
عديدة بترك الملك الشاب فيصل الثاني كي يتولى الحكم بعيداً عن ارثه السيئ وسياساته
الحمقاء.
تقييم المرحلة
يمكن تقييم
مرحلة الملك غازي انه لم يتبع سياسة والده سيما الداخلية التي كانت تميل إلى
التقارب مع الشخصيات الدينية والعشائرية فضلاً عن الأسلوب الشخصي في حل الخلافات
مع الساسة إلا أن غازي لم يبد إلا اهتماماً متواضعاً بتعقيدات السياسة البغدادية
وكان غالباً ما بهمل واجباته الملكية ، فضلاً عن صداقته لمجموعة من الضباط الشباب
سيما الطيارين (وما جلب هؤلاء عليه من السكر والعربدة) وكان مولعاً بالطيران
ومنافساً لصباح بن نوري السعيد كل ذلك اثر على عمله وعرف عنه في جولته المبكرة في إنحاء
البلاد انه ألغى مواعيده وغير جدوله وقفل عائداً بوقت مبكر مخلفاً استياء وزراءه.
تعليقات
إرسال تعليق
أكتب تعليقاً مناسباً حول الموضوع