ثورة 14 تموز وحركة الشواف والقضية الكردية
قراءة مختصرة لفترة
حكم الجمهورية الأولى بقيادة عبدالكريم قاسم، وتعامله معد عدد من القضايا المهمة
مثل حركة الشواف، والقضية الكردية.
| عبد الوهاب احمد الشواف |
حركة الشواف
عرفت الموصل
بتوجهها العروبي الإسلامي عبر تاريخها الطويل وبعد إن تصاعد المد الشيوعي في
العراق، وبدا قاسم معادياً لأول وحدة في التاريخ الحديث وهي الجمهورية العربية
المتحدة التي ضمنت مصر وسوريا 1958 فضلاً عن تحجيم التيار القومي سيما بعد عزل
عبدالسلام عارف عن مناصبه والحكم عليه بالإعدام ثم السجن، كما أن بعض الوزراء
القوميين والمعارضين قدموا استقالاتهم وفي ظل هذا الجو المتوتر المشحون بالعواطف
قرر الحزب الشيوعي العراقي عقد اجتماع لمنظمة أنصار السلام التابعة له في الموصل
من اجل إبراز قوتهم رغم أن الحزب في الموصل لم يكن قوياً بل أن أنصاره بالدرجة الأولى
من الأقليات الدينية والقومية، وقد حاول الشواف وهو من الضباط الأحرار والذي ولي إمرة
اللواء الخامس، وعلى رغم انه كان من أنصار تشكيل مجلس قيادة الثورة، اضطر إلى إقناع
قاسم لإلغاء هذا الاجتماع لان الوضع في الموصل متأزم وسوف تحدث اضطرابات وانظم إليه
في نصح قاسم بهذا الصدد الزعيم ناظم الطبقجلي قائد الفرقة الثانية في كركوك ورفعت
الحاج سري مدير الاستخبارات وعبد المجيد جليل مدير الأمن العام، اللذين طالبوا
بإلغاء الاجتماع أو عقده في مدينة أخرى غير الموصل، وكان عناد قاسم وإصراره على
عقد المؤتمر في الموصل من أكثر القرارات السيئة في حياته حيث خلق له الكثير من الأعداء
على صعيد المجتمع والنخبة على السواء، ومما زاد من الطين بلة أن الشواف كان رجلاً
عاطفياً سريع الغضب قليل الاتزان ورغم انه تم الاتصال بالجمهورية العربية المتحدة
والتي تعهدت بالدعم إلا أنها لم تفعل شيئاً مهماً على الصعيد العملي.
وفعلاً وصل
قطار من بغداد وبالحافلات محملين بأنصار السلام الشيوعي يوم الجمعة الموافق 6/3/1959
وتوجهوا في مظاهرة كبيرة إلى الملعب الرياضي في باب سنجار شمال الموصل وهي تهتف ضد
القوميين، وفي اليوم التالي نظم القوميين مظاهرة كبرى في قلب الموصل ضد الشيوعيين
وجرى صدام وإطلاق نار بين الطرفين ونزل الجيش إلى شوارع الموصل وأعلن منع التجول،
وهكذا قرر الشواف إعلان الثورة 8/3/1959 دون انتظار أو تنسيق مع الضباط الآخرين في
بغداد وكركوك والوحدات الأخرى وأعلن البيان الأول الذي تضمن تنديداً بسياسات قاسم
والشيوعيين وتضمن التمسك بأهداف ثورة 14 تموز كما دعا البيان قاسم إلى الاستقالة
وتأليف حكومة جديدة.
حاول قاسم
التحدث إلى الشواف عدة مرات إلا إن الشواف رفض مكالمته ويلاحظ أن الوحدات التي
تفاجئت بالثورة لم تتعاون وتنظم إليه مما فت في عضدها وهكذا ولدت الحركة الميتة
سيما وان بعض الضباط وضباط صف اللواء الخامس كانوا شيوعيين وعندما قصف مقر اللواء وأصيب
الشواف نقل إلى المستشفى العسكري حيث قتل على يد ضباط صف مضمد.
انتهت الحركة
لتبدأ الأيام الثلاثة السوداء في تاريخ الموصل من السحل والشنق والقتل العشوائي وإحراق
البيوت ونهبها واستبيحت المدينة لأسبوع واشتهرت محكمة القصاب بإعدام المواطنين الأبرياء
خارج نطاق القانون وبلغ عدد الضحايا حوالي 400 شهيد.
ومما يلفت
الانتباه انه برغم إن عدد ضباط الموصل في الجيش آنذاك يأتي بعد بغداد ألا أن نسبة
هؤلاء في تنظيمات الضباط الأحرار كانت متدنية والسبب يعود إلى:
- أولاً أن الموصل كانت العاصمة الاقتصادية للعراق وتعيش
في بحبوبة اقتصادية أكثر من إي مدينة عراقية وبالتالي فان الضباط المواصلة كانوا
اقل نقمة على النظام الملكي من زملائهم.
-
ثانياً إن العهد الملكي شهد بروز الكثير من الوزراء ورؤساء الوزراء وكبار
الضباط من الموصل وكان شباب الموصل المتعلمين يجدون أبواب الوظائف مفتوحة أمامهم.
- ثالثاً إن الموصل مدينة عربية ذات توجه إسلامي وسط محيط
من الأقليات القومية والدينية الأمر الذي خلق بين المواصلة عصبية محلية عالية
الدرجة تقوم على الخوف الشديد من إي تغيير يطرأ على ديموغرافية الموصل وتماسكها
ومكانتها إي أنهم كانوا أكثر حذرا وتوجساً من التغيير السياسي لأنه قد يضعف مكانة
مدينتهم أو يعرضهم إلى اهتزازات اجتماعية.
المهم ليس فشل
الثورة أنما ما حدث بعد ذلك من إعدام الضباط الأحرار فضلا عن إحالة 350 ضابط قومي إلى
التقاعد فضلاً عن أساليب التعذيب والوحشية والإذلال الذي تعرض له المعتقلون من أبناء
المدينة، الأمر الذي نمى في نفوسهم الرغبة في الثأر من الشيوعيين كما ترك أثرا
سلبياً على العلاقة مع الأقليات الدينية والقومية استمر لفترة من الزمن.
القضية الكردية:
اهتم قادة ثورة
14 تموز بالقضية الكردية وتضمن الدستور المؤقت في المادة الثالثة النص على أن العراق
جزء من الأمة العربية وأن العرب والأكراد شركاء في الوطن وان حقوقهم القومية معترف
بها وهذا أول نص دستوري في العراق
الجمهوري يعترف به بالأكراد وحقوقهم كما إن علم وشعار الجمهورية تضمن نصفه رموز
كردية، وصدر قرار بتأسيس مديرية المعارف الكردية للإشراف على تدريس اللغة الكردية
في جميع دور المعلمين والمعلمات وطبعت العديد من الكتب باللغة الكردية وصدر العديد
من الصحف والمجلات باللغة الكردية واعتبر عيد النوروز عيداً رسمياً.
عاد الملا
مصطفى البرزاني في 5/10/1958 إلى العراق بعد أن أرسل رسالة إلى قاسم يعلن فيه دعمه
للثورة ورغبته للعودة إلى الوطن وبعد زيارة قصيرة إلى مصر قابل فيها الرئيس جمال
عبد الناصر، كما اطلق سراح الشيخ احمد البرزاني شقيق الملا الأكبر وإفراد الأسرة البارزانية
المسجونين في الناصرية، وقد وضع تحت تصرف الملا مصطفى بيت نوري السعيد في الصالحية
وسيارة ولي العهد عبد الإله وخصص له راتب 500 دينار وهو أكثر من راتب قاسم وفي
16/4/1959، عاد إلى العراق حوالي 800 برزانياً كانوا مع الملا في الاتحاد السوفيتي
وزوجاتهم وأولادهم واستقبلوا استقبالاً رسمياً وجماهيرياً وخصصت لهم رواتب مابين
30-150 دينار، كما سمح للملا في تسليح أتباعه إلا إن الأمور سرعان ما بدأت تتغير
فقد طالب الكرد بتغيير المادة الثانية من الدستور وإدخال الأمة الكردية ودعم حركات
التحرر الكردية كما اخذ الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي) كما يقول إسماعيل
العارف وزير الداخلية بتأليب الكرد ضد السلطة كما اخذوا بالاستيلاء العملي على
المنطقة ورغم زيارة الملا لبغداد ولقائه بقاسم إلا أن العلاقات ساءت بين الرجلين
سيما بعد إن فقد قاسم الثقة بالملا مصطفى وذهب الملا إلى كردستان في أواسط مارس
1961 حيث شن هجوماً على الزيباريين كما اخذ الشيوخ والأغوات بالانضمام إليه بعد أن
صادر الإصلاح الزراعي الكثير من أراضيهم وعندما أخذت قوات الثورة الكردية بقطع
الطريق من السليمانية وكركوك بدأت العمليات العسكرية في 12/9/1961 وهكذا انطلقت
ثورة أيلول وأخذت طائرات القوة الجوية بمهاجمة مناطق الثورة وطالب الملا الكرد في
الجيش والشرطة والأمن بالانضمام إلى الثورة كما أرسل طلباً إلى قاسم لإعادة
الحريات العامة والاعتراف بالحكم الذاتي ورد قاسم على هذه المطالب بسحب الاعتراف
بالحزب الديمقراطي الكردستاني وإغلاق صحيفة (خبات) وحاولت قوى وطنية كثيرة التوسط
دون نتائج واصدر قاسم عفواً مرتين دون جدوى وازداد التذمر في صفوف الجيش للخسائر
الفادحة الذي اخذ يدفعها بسبب حرب العصابات .
ويلاحظ إن
الثورة لأسباب عديدة تلقت دعماً أردنياً وإيرانياً ومن دول أخرى مما زاد في
فاعليتها رغم الهجمات العنيفة التي شنها الجيش والقوة الجوية والتي دفع ثمنها
المدنيين الكرد في الدرجة الأولى وكان أخر وساطة تمت من خلال الحزب الشيوعي
وبمبادرة منه إلا إن قاسم إصر على إن يستقر الملا في بارزان وينهي القتال ثم يصدر
عفواً عن أنصاره وينظر في مطالبه بعد ذلك.
إن خطأ قاسم
الكبير انه نسي أن خيوط اللعبة لم تصبح بيده وأصبحت خارج العراق عبر بعض الدول
الكبرى والإقليمية فضلاً عن دور الشركات في تأزيم الموقف من اجل إضعاف قاسم ولابد
من الاعتراف إن قاسم حاول أن يقيم دولة عراقية للعرب والأكراد إلا انه خسر العرب
ولم يكسب الأكراد وخسرهما معاً وقد إعادة القيادة الكردية الاعتبار لقاسم في
الفترة الأخيرة حيث أشاروا إلى مواقفه الايجابية من القضية الكردية بل إن بعضهم أشار
إلى أنهم اخطئوا بقتاله .
وقبل انقلاب 8
شباط 1963 كان هناك اتصالات بين حزب البعث والملا من اجل دعم إي عمل عسكري يطيح
بقاسم من اجل أن يقوم النظام الجديد بالاعتراف بالحقوق القومية للكرد وكان التفاوض
يتم بين طاهر يحيى وإبراهيم احمد سكرتير الحزب وبعد نجاح الانقلاب أعلن وقف إطلاق
النار وجرت مفاوضات بين جلال الطالباني
وصالح اليوسف العضوين القياديين في الحزب الديمقراطي الكردستاني مع قيادة البعث
علماً إن قيادة الانقلاب والأكراد عبروا عن إيمانهم بحق تقرير المصير ولكن سرعان
ما اندلع القتال واستمر إلى 18 تموز 1963، وجرت مفاوضات يتخللها عمليات أوقف فيها
القتال.
تعليقات
إرسال تعليق
أكتب تعليقاً مناسباً حول الموضوع